مقال رائع للأستاذ حسان زين الدين يشرح فيه تجربته الشخصية في البحث عن مصدر دخل و كيف يتدخل القدر في تحديد ما هو أفضل
البحث في "صناعة الأقدار" حدثني قلبي ذات صباح، وقال: "ويحك، ما هذا الذي أنت فاعله، أتنوي فعلاً ترك الوظيفة التي تعمل فيها للسنة الرابعة على التوالي" كان ذلك قبل أيام قليلة من حلول عيد الميلاد. أجبتُ قلبي: "لا أدري. ولا أعتقد. وإذا كان لذلك ان يحدث فهو سيحدث في هذا النهار." صوت قلبي كان على حق، يومها؛ حيث أبلغني رئيس المؤسسة بوجوب تركي العمل خلال أسابيع قليلة بسبب ضائقة مالية تتعرض لها مؤسسته. ورحت أعي مقدار الآسى المنبسط في قلبي حيال ما جرى. وشعور الآسى هذا، يختلف عن مشاعر الإعتراض أو الغضب او الحزن حتى، حيث لم أكن المبادر أو المسبب في تركي الوظفية، إنما القييمون على المؤسسة التي أعمل فيها أرادوا ذلك، ولأسباب تتعلق بهم... وبعد تفكر لثوانٍ . جاءت إجابتي الأولى:"الصالح هيك." وهي عبارة يرددها شيوخ بلادي من الحكماء، و"الله ولي التوفيق... ومن أرادني في هذا العمل سوف يأتي بي إلى سواه. ومن المؤكد أن هذه الخطوة سوف تكون في صالحي، فالعدالة الإلهية قائمة" وهكذا... رحت أتدارس بيني وبيني في السبل الممكنة للإستمرار "حياً أُرزق" في سوق العمل اللبناني. وفي الوقت الذي أحاول فيه ذلك، وجدتني أعاود الكتابة في رواية تتناول تاريخ الحضارة والعلم والدين والفلسفة، كنتُ قد قطعتُ في تأليفها خلال سنوات، ما يتجاوز الـ ٨٠٪ من الجهد لإعداد مادتها وصياغتها. غير أنني أشعر أن ما يعوزني هو السكينة الروحية والفكرية التي يمكن لي معها أن أتجدد في الكتابة. وبغير تلك السكينة سيكون حالي شبيهاً إلى حد بعيد حالك في محاولة الرؤية في العتمة لتلمس طريق الكلمات ولإستحضار "جو" الكتابة لينغمس فيك، ويأخذك هو إليه، لا أنت! حاولتُ إستعادة نفسي إلى مَلَكة الكتابة، وعاودتُ قراءة ما أُنجز من الرواية. فوجدته يتجاوز الـ٣٧٠ صفحة، ما يعني وجوب إقتطاع عشرات الصفحات وإعادة صياغة النص بما يتلائم مع النسق المعتمد حديثاً والقاضي بعدم تجاوز الرواية الـ ٢٠٠ صفحة تقريباً ليتمكن القارىء ـ المستهلك من "قضم" الرواية سريعاً. فعلمت ُ أي مهمة صعبة تقوم أمامي، لكوني الكاتب والرقيب الذي سيقتطِع، ولكوني القارىء الناقد أيضاً. أمر ممتع أن تتجاوز ما كنت عليه، لكنه موجعٌ في آن معاً. وها أنا أقرر تجديد "جلدي" الفكري، كما تفعل الأفعى في كل عام. وقد عاهدت نفسي العمل على إنهاء الرواية خلال الأشهر المقبلة. وبإنتظار أن يحصل ذلك، وبإنتظار نتائج البحث مجدداً عن سبل إستمرار أعمال التجديف في سوق عمل مكتظ بطالبي الاستقرار والآمن الوظيفي، وجدت نفسي أمام ثلاث خيارات مهنية :
١- محاولة بناء تصورات واقتراحات لبرامج تلفزيونية، وعرضها على بعض الاصدقاء من الإعلاميين، على أن أقوم بإعدادها لاحقاً، إذا ما تمت الموافقة عليها.
٢- تركيز السعي في إيجاد حلول ناجعة لشركة تجارية متعثرة، أملك فيها بعض الأسهم. وتفعيل العمل فيها.
٣ـ تأسيس عمل "صناعي ـ تجاري" خاص بي، أُقوم من خلاله بإنتاج بعض السلع وتسويقها.
بالحقيقة، لا أعلم الداعي الذي دعاني إلى إشغال القارىء بشواغلي الخاصة. ولا أهتم لمعرفة ما إذا كان هذا من نقاط ضعفي أو قوتي. فالحول والقوة بالله ومنه وإليه. محاولاتي في البحث عن عمل جديد خجولة... لكنها قائمة. قد أوفق في واحد من السبل الثلاثة تلك، وقد أجدني بعد حين في القطاع التربوي الذي أغادره الآن، أو في مجال آخر مختلف. من يدري! قد تستغرب عزيزي القارىء كوني غير مهتم لنوع "ما سأكون عليه". نعم. هذا صحيح. فما أريده يقتصر على "أن أكون" خارج قائمة البطالة. حيث أن الزمن الذي نعيش فيه، لا يرحم المستسلمين لأقدارهم، على البدل من أن يصنعوها بالمحاولة... وأنا منشغل على الدوام في تحقيق "من أكونه" بوصفي إنساناً ولو أتى على حساب "ما أكونه"... الحياة بدايات متلاحقة: خطوة أولى ... هذا المقال. وعلى إرادة الله التوفيق. .
أكتب التعليق